محمد متولي الشعراوي

9295

تفسير الشعراوي

فمنعه عنك لمتّ قبل أنْ يرضى عنك ، وليس هناك وقت تحتال في طلبه . وقوله تعالى : { وارعوا أَنْعَامَكُمْ } [ طه : 54 ] لأنها تحتاج أيضاً إلى القُوت ، وقال تعالى في أية أخرى : { مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ } [ النازعات : 33 ] ثم يصبّ الجميع في أن يكون متاعاً للإنسان الذي سخّر الله له كل هذا الكون . وقوله تعالى : { إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى } [ طه : 54 ] . آيات : عجائب . والنُّهَى : جمع نُهية مثل قُرَبْ جمع : قُرْبة . والنُّهَى : العقول ، وقد سمّاها الله تعالى أيضاً الألباب ، وبها تتم عملية التدبير في الاختيارات . والعقل من العقال الذي تعقل به الدابة حتى لا تشرد منك ، وكذلك العقل لم يُخلَق لك كي تشطح به كما تحب ، إنما لتعقل غرائزك ، وتحكمها على قَدْر مهمتها في حياتك ، فغريزة الأكل مثلاً لبقاء الحياة ، وعلى قَدّْر طاقة الجسم ، فإنْ زادت كانت شراهة مفسدة . وقد جُعل حُبُّ الاستطلاع للنظر في الكون وكَشْف أسراره وآيات الله فيه ، فلا ينبغي أنْ تتعدّى ذلك ، فتتجسس على خَلْق الله . وسُمِّيَتْ العقول كذلك النُّهَى ، لأنها تنهي عن مثل هذه الشطحات . إذن : فلا بد للإنسان من عقل يعقل غرائزه ، حتى لا تتعدى المهمة التي جُعلَتْ لها ، ويُوقِفها عند حَدِّها المطلوب منها ، وإلا انطلقتْ وعربدتْ في الكون ، لا بُدَّ للإنسان من نُهية تنهاه وتقول له : لا لشهوات النفس وأهوائها ، وإلاّ فكيف تُطلِق العنان لشهواتك ، ولست